الشيخ مرتضى الحائري
57
مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام
وبيان الإشكال في المقامين ( على ما تحصّل لنا من كلام الشيخ العظيم الأنصاريّ قدس سره في أوّل الاستصحاب وفي طيّ التنبيهات ) أن يقال : إنّ وجه عدم جريانه في الأوّل - أي الأحكام العقليّة - أمران : أحدهما : أنّ الحكم العقليّ الّذي يجعل مورداً للاستصحاب إمّا أن يراد به الحكم العقليّ الجزميّ فهو ممّا لا شكّ فيه ، لأنّه إمّا أن يكون مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع ، لأنّه لا يشكّ في وجود الجزم بل الشكّ عين عدم الجزم ، وإمّا أن يراد به الحكم الكلّيّ المتعلّق بالموضوع على نحو القضيّة الحقيقيّة ، كحكمه بقبح تناول المضرّ القاتل للنفس وكان شيء في السابق متّصفاً بالوصف المذكور ثمّ شكّ في اللاحق في ذلك ، وكالحكم بقبح التكليف بغير المقدور وكان الواجب أوّل الوقت غير مقدور ثمّ شكّ في ذلك ، فإنّ الحكم بعدم التكليف على تقدير عدم القدرة واقعاً موجود ويكون مورداً للجزم بنحو القضيّة التعليقيّة ، ففي ذلك أيضاً لا يجري الاستصحاب ، لعدم إحراز موضوع المستصحب فلا تكون وحدة القضيّة المشكوكة للمتيقّنة محرزة . وهذا موافق لما أفاده الشيخ المعظّم له قدس سره في المقامين « 1 » ؛ لكن من المعلوم أنّ الوجهين المذكورين لا يردان على مورد واحد ، فإنّ عدم الشكّ إنّما هو بالنسبة إلى الحكم العقليّ القطعيّ ، وأمّا عدم إحراز الموضوع فهو بالنسبة إلى الحكم العقليّ التعليقيّ أو الكلّيّ بنحو القضيّة الحقيقيّة ، وإلّا كان تناقضاً كما هو واضح . ثانيهما : أنّ المستصحب لا بدّ أن يكون إمّا حكماً مجعولًا شرعيّاً أو موضوعاً له ، والحكم العقليّ لا يكون مجعولًا للشارع ولا يكون موضوعاً للحكم الشرعيّ ، فإنّ الحكم الشرعيّ ليس في فرض تحقّق الحكم العقليّ بل يكون الحكمان في عرض واحد من دون أن يكون أحدهما تابعاً للآخر ثبوتاً ، وتبعيّته للعقليّ في الإثبات غير التبعيّة الثبوتيّة ، فإنّ الشرع يحكم في فرض عدم القدرة بعدم التكليف ، سواء حكم
--> ( 1 ) فرائد الأصول : ص 325 و 378 .